مدونة سلمي الشيخ سلامة
تسجيل لبعض من خواطري وكتاباتي
.
.

احن الى صوت امى

احن الى صوت امى

 

 

 

 

 ولها صوت بارع فى الحديث ولغة سردية تحفك فى محفات القول الرشيد وحيثيات القول المجيد اللغة ، تحملك عبر الكلام الى فضاءات الانس فتنسى مكان جلوسك ومن معك والى اين كنت تسير ، تغويك بالحكايا المتسلسلة من واحدة الى اخرى والحكايا لدنها غير قابلة للنسيان وانت غير قابل للملل ، حين تبدا بالحديث تنسال اللغة شجنا فتستزيدها ، كنا لا نمل حكاياتها ونحن فى الطفولة نتدثر بحكاياها فى الليالى الماطرة فى مدينة الابيض لم نكن اولئك الصغار بقدرما كانت تستهوينا الحكايات  (حين زارتنى فى القاهرة بعد غياب امتد.( كنت اعود كل

 ليلة الى حضنها تلك الصبية التى كنتها ذات زمن مضى اغريها كيما تحكى لى وتفعل عن طيب خاطر ولعمرى لقد دونت تلك القصص فى مجموعة لا اعرف ماذا حل  بها الان )

 

امى العزيزة امى

انتى كعينى وقلبى

انتى اعز على

من كل اهلى وصحبى

 

وهى كذلك فهى (العزيزة) التى تسال عن (ظروفنا ) وحروفنا وكلماتنا ، تسبح باغنيات غيابنا وترتب حناياناحتى ونحن فى تلك الاصقاع البعيدة معنا تجدها فى المنام والصحو فى الحضور حضور وفى الغياب حضور ، ترتب بشجوها (الحنين) الخلايا لدن كل منا فنستبين كم كنا نفتقدها اجمعنا

لا تمر لحظة دون شجن يذكرنا بطفولتنا فتنساب الحكايا كجدول، تحكى لك مغامراتك ومغامرات غيرك من اخوتك ، وتزهو بصبانا الحلو ، تلك الحكايا الملفوفة بسلوفان حب اجترحته لنا

 

هى امى ، الصديقة حين تعز الصديقات ، تنبه الى خطورة الموقف ان كان من تلك النواحى العاطفية الفجة ، لا تعير اى التفات لاى موقف هش ، فقط تقول لك:

ـ يا هو كدى ،دا ما نافع انسيهو دا جاهل

او تجدها تصفف لك شعر حكاية مماثلة فى دقة حتى لا  تستبين ايهما تتحدث عنه انت ام الذى حكت لك حكايته ، وفى نهاية الامر ترى الى خيبتك وحدك دون ان تقول لك كم انت خائب ، وذلك امر محسوم.

كانت محل الاستشارة لاى كان فهى الكبيرة لدنا وهى الام التى تتقطع حناياها لاجلنا منذ ان كنا صغارا فهى المرجع لاىّ منا

اذكر وكنا صبية بعد ، كنت عائدة من  درس العصر  حيث كانت تلك الدروس الزامية خاصة حين كنا ممتحنين  لمرحلة الثانوى العالى ، كانت المدرسة تبعد عدة كيلومترات من البيت ، نذهب راجلين رغم ذلك فلم تكن المواصلات بالامر المتاح فى تلك الايام الا للصباحات المدرسية ، فى العصر كنا واحد من امرين اما ان نبقى فى المدرسة حتى يحين (درس العصر)او نعود راجلين الى بيوتنا، ، بناءعلى رغباتنا الطفولية نبقى فى المدرسة حتى موعد الحصص العصرية ، نتشاغل بالدراسة او المطالعة التى كنت ادمنها، احيانا كنت اتوجه الى بيت ابنة خالتى اعتماد العبادى عليها الرحمة ذلكم القريب الى المدرسة ..او ابقى صحبة نفيسة عبد الرحمن زميلة الصبا ، او امال الركابى 

 كنت اذن فى المرحلة المتوسطة او الثانوية العامة منتصف السبعينات من القرن العشرين  كنا رهط من التلميذات عائدات من المدرسة ذلك الوقت (قبل قليل من ميقات صلاةالمغرب )حيث الرؤية ليست تلك الواضحة ، شخص ما استوقفنى ، مدّ الىّ بكتاب ، كنت ارتجف فى تلك اللحظة خوفا ، لان الصبية كانوا يلعبون كرة القدم  فى الميدان الذى يشق الحى الى نصفين ، بطبيعة الحال كان بين اولئك الصبية احد اخوتى ، لذلك اعترانى الخوف من ان يرانى ، فلبثت خائفة لم اكلم الصبى الذى مد الى بالكتاب بكلمة واحدة فالخوف هو سيد اللحظة ، لم اتبين من هو الا بعد سنوات من ذلك الحادث ، لعله الان نسى ما فعل بى تلك الامسية ( قالوا انه محاضر باحد الجامعات الكبيرة فى الخرطوم ، فقد كان يكبرنى بعدد من الاعوام) ، المهم اننى اخذت الكتاب ، لم اكن اعرف ما فى داخله ، لذلك حين دلفت الى الباب مرتعبة مددته الى امى ،  التى كانت تعرف جيدا كيف تقرأ  وهى خريجة المدرسة الوسطى فى ام درمان  تلك المدرسة التى ظلت متعلقة بها الى هذا اليوم ، تحكى لك عن تفاصيل الدراسة وتصف ما تعلمناه بالخائب وتصف السلم التعليمى بانه كارثة ادت الى اميتنا ونحن الذين كنا نفاخر اننا درسنا مراحل احسن بكثير من غيرنا من الاخوةونحن فوق كل ذلك كانت تعدنا احسن حالا من احفادها الذين ماتت اللغة على ايامهم ايا كانت العربية ام الانجليزية  (ابنتى كانت تفاخر نديداتها انها تلميذة لجدتها وكذا ابناء اخوتى الذين تربوا معنا فى البيت )

 كانت ذات بال طويل لا تعنى المشاغبات الطفولية لها الا كل الخير ، المهم ان تلك اللحظة التى دلقت اليها بالكتاب كانت  لحظة مهيبة كنت اخشى ان توبخنى وان تقيم الدنيا ولا تقعدها كمثل الامهات اللاتى عرفتهن صارمات تجاه امثال تلك الافعال الصبيانية ، لكنها طالعت الخطاب الزى كان ملفوفا الى قلب الكتاب ، لم تقل سوى

ـ  انه زول ما عندو ذوق

لكن تلك اللحظة ابت ان تمضى بسلام لان حذيفة شقيقى الاصغر كان قد لمح الصبى وهو يمد إلّى بالكتاب ، وعاد بعد اللعب مستأسدا ، اخذنى الى جانب مهددا

ـ لو ما دفعتى لى حق السينما ، حاكلم امى

 هى سمعته ، فجاءت الى مكان وقوفه :

ـ تكلمنى بشنو ؟

ـ بالولد الاداها الكتاب

ـ دا ولد طايش قبيل قرينا الجواب وشرطناهو

وحطت رائحة الابتزاز ارضا مع كلماتها الاخيرة

لم تكن بالقاسية ابدا ، رغم ان كل الدوافع كانت فى صالح تلك الخاصية على العكس منها كان ابى، فابى كان رجل متشددا معنا غاية التشدد مع ذلك فى داخله ينام طفل من الود واللطف ، لكن ربما لانه تربى فى وسط كالح الملامح لم يشا ان يغير تلك القسوة من على ظهر قلبه فلم تكن قسوة عظيمة كالتى نراها لدن الاخرين من ابناء جيله ، كان حريصا ان نتخرج فى اعلى المدارس ، رغم انه لم يقل ذلك لاحد منا ، لكنه كان يرمى الينا بذلك القفاز من التحفيز موازيا  يرينا كيف ان ابن فلان قد نال اعلى الدرجات فى الجامعة وابنة فلان فعلت نفس الامر ، يشهدنا على ابناء اهله من الذين  تلقوا اعلى الدرجات ويظل يضرب الامثال الى ما لانهاية، ولم ننتبه الى ذلك التحفيز  الا بعد رحيله

 اكتشفت على صعيد خاص انه كان يحمل ما كتبته فى الصحف السودانية   طوال سنوات الدراسة فى معهد الموسيقى والمسرح الى ملف اجترحه لتلك الاوراق  وما بعد التخرج وكيف انه كان يستمع الى برامجى الاذاعية  بنهم وحرص حقيقيين،ولم ادرك ذلك الا حين ارسل الى آخر خطاب له قبل وفاته بقليل، حدثنى فى ذلك  الخطاب عنها وانه ( عافى منى وراضى على ، و انه كان يعرف اننى احب تلك الكتابة التى جعلتنى معروفة لدى الناس ، وانه لم يكن ليقسو على الا لاجل مصلحتى )

يا لهما ..كانا على النقيض ، فهى كانت تحمل شعرة معاوية وكثيرا ، تتحداه بها

 كان احيانايقسو حتى على نفسه لكنه الحب الذى ما كان يعرف كيف يبوح به ناحيتنا او باتجاهها!.

  

مساء احد الاعوام فى منتصف السبعينات لعله العام 1974 وكانت امى حبلى فى آخر ابنائها ، كنت فى الصف الاول الاول الثانوى لم اكن لاميز ان كانت امى حبلى ام لا، لكنها هكذا ، نادتنى اليها:

ـ سلمى بتى ابقى عشرة على اخوانك ، انا ماشة المستشفى

ـ مالك ياامى ؟

ـ حاولد قيصرى

ـ ليه ؟

ـ لانو ، بعدين حتفهمى

وخرجت من البيت ، لم تكن المستشفى ببعيدة عن مكان سكنانا، كنا ندخلها من السياج الزى كان مواجه بيتنا ، تفصلنا عن المستشفى بضعة امتار  كنت خائفة لان النساء اللاتى كن يلدن بتلك الطريقة سمعت انهن يمتن فى الولادة بسبب رداءة المستشفى والتطبيب ، لكن امى لم تكن خائفة قط ، كأنى بها ترى الى ذلك الوضع على انه الاكثر صحة

خرجت اذن تاركة خلفهاعلى عاتقى كل الاعباء ، ولم اكن فى تلك السن الا بحاجة الى ان اكون ما اريد ، وما تكون عليه الصبايا فى سنى  

 لكنا فى تلك الازمان كنا نحمل عبء الاهل باكثر من اى شئ آخر ، كنا نحن الفتيات اللاتى نشأن فى تلك الايام تربينا على حسن ظن اهلنا فينا ، فكنا نتبارى فى ارضائهم ولانألوا جهدا فى ذلك مهما كلفنا من مشقة

(حين دخلت المدرسة الثانوية كان كل حلمى ان اغدو محامية تلبية لرغبة امى نفيسة (جدتى) تلك المراة التى كانت فخورة  باحد زوجات ابناء اختها التى كانت محامية وكانت كل رغبتها ان اعود فى مستقبلى تلك المحامية، تحدث صديقاتها عن تلك الرغبة العظيمة التى علىّ ان البيها لها ، ولم اتردد لحظة حين دخلت المدرسة الثانوية ، فى ذلك الحين كانوا يسمحون لنا بالانتقال عبر المدن التى نختارها ، فكان ان اخترت امدرمان ، ودخلت احد مدارسها الثانوية لكنى لم اهنأ بتلك المدرسة فسرعان ما عاد والدى من الابيض ليصحبنى او ليسحبنى الى مدينة الابيض بحجة اننى لابد ان ادرس كلية المعلمات ، فى زعمى ان تلك المدرسة لم تكن لتؤهلنى لدخول كلية القانون فى جامعة الخرطوم ،لذلك لم اكن تلك المجدة فى التعاطى مع الدروس ، وانتقلت الى فضاء آخر ، لم اكن بعيدة عنه طوال حياتى  ، فمنذ المرحلة المتوسطة كانت الكتب انيسى وجليسى لم افارقها قط  لذلك غدت الان احد همومى طالما اننى لن ادخل كلية القانون ، بت اكثر حميمية معها ، اطالع الليل والنهار ، كان استاذى عمر مودى احد العلامات الفارقة فى تلك الفترة الى جانبى ، علمنى كيفية التعاطى  مع اشياء جديدة ، الكتب السياسية والمعرفية لذلك لم اكن امّل القراءة والتحاور معه ، هو واستاذى محمود عمر محمود، كانا اول من اشرف على كتابتى المسرحية التى ازعم انها حولت مجرى حياتى الى هذه اللحظة ، لكن ابى كان مهموما من جانبه لان الاطفال كانوا فى حاجة الى من يعينه على تربيتهم على نحو مادى

كانت الكلية تمنح الطالبات عددا من الجنيهات تعينهن على مسير الحياة ، لذلك كنت لا اتوانى عن الدفع بتلك المنصرفات الضئيلة الى يد والدى

 

انجبت امى (هند) اخر العنقود ، لكنها لم تكن لتشكو قط حتى الآم الولادة التى تتعب النساء منها، كنت تراها عادية كأن لم يحدث شئ! فيما كان ابى يمرض وكنت من ناحيتى مريضةايضا ، هو اصابه اسهال غريب وكنت مثله ، لكنى تعلمت منها ان اكبح الخوف والمرض ، كانت لا تشكو قط الا فى القليل النادر ، حين لا تستطيع التغلب على الالم ، لكنها مع ذلك تجدها تلك الام التى ترعى بلا حدود

  

فى العام 1982 كنت قد طالعت لاول مرة رواية الكاتب الكولمومبى جابريل جارثيا ماركيز (مئة عام من العزلة) وحينها كنت فى الصف الثانى فى المعهد العالى للموسيقى والمسرح كنت الحظ اننى كنت اطالع شخصية امى المماثلة لتلك الشخصية التى كانت الام وكانت الاخت وكانت الحبيبة التى تضفى على آل بيونديا كل تلك الحيوية ، كنت اسمى امى بارسولا تلك البطلة التى ما ماتت قط فى ثنايا الرواية منذ اول كلمة الى اخر لحظة ،لكن امى لم تمت حتى هذا الحين ، فلقد كانت الحياة التى لا تنضب

اليوم السابع والعشرين من شهر يوليو للعام 2006 كان يوما فارقا فى حياتنا اجمعين نحن الذين تربينا فى كنفها ، وما وسعت تعلمنا معنى ان نكون ابناء صالحين وبنات صالحات ، كانت تتاسى على مآل حالى احيانا حيث لم استطع الى الثبات فى موقع الزوجة قط ، لكنها كانت ترد ذلك الى مشيئة الله الذى حبانى موهبة لم يهبها لاحد كما كانت تزعم ، لم يكن ذلك اليوم سوى علامة فارقة فى تاريخنا نحن ابناء الحاجة سكينة بنت بابكر سلامة ، حقيقة لا اعرف لها سوى ذلك الاسم ، لكننا كنا نداعبها بقولنا ( سيكو ) وكانت ترحب بتلك التسمية ضاحكة تقول ولسان حالها يردد ( (كتر خيركم دا دلعى ولا كيف ؟)

كنا ندللها، نخاف عليها مر النسيم فهى من علمنا الى هذا اليوم معنى ان نكون ابناء صالحين محبين احدنا الاخر ،  كنت اقول عن ذلك اليوم ، الذى ذكرته

 فى ذلك اليوم قلت لزملائى فى الجريدة ـ الخرطوم ـ (اليوم احس بحنق ما ، متوترة لحد الانزعاج ، اذا لم يوافنى احد ببرنامج سانتحر ) وضحكت من فكرة الانتحار تلك ، لكنى اقدمت على امر لم اكن مؤهلة له ، عادة لم اكن اعود الى البيت فى تلك الساعة من العصر ، لكنى ما ترددت فى العودة ، فى المواصلات كنت احاول ان اقتل الوقت بحل الكلمات المتقاطعة  حين وصلت الى نقطة نزولى احسست ان الباص كان سيمضى دون ان انزل ، فتوترت بعض الشئ ، لكنى سرعان ما وصلت البيت ، كنت جائعة حيث لم اتناول افطارى ذلك اليوم على غير العادة ولم انادى محمد نور بذلك الصوت الذى اقترحه  لمناداته

 وصلت الى البيت اعلنت جوعى الماكر ، كان خالى حفيظ موجودا على غير العادة ايضا وعفراء شقيقتى كانت فى البيت ، قلت لهم متسائلة ان كان ثمة من يريد ان ياكل ، المهم اننى ( ختيت الغدا) واكلنا  لكن امى لم تكن على عادتها تلك البشوشة ، كانت تبتسم نصف ابتسامة كلما سالناها امرا ، او كلما حكينا نكتة رغم انها تحب النكات وتحب الضحك كثيرا، وكثيرا ما كانت تحكى لنا عن تجارب لم نكن لنعلم عنها الا منها ، لم انتبه الى ذلك لانها كانت تشكو صداعا حادا ، جلبنا لها عدد من الحبوب المهدئة ، لكن ذلك لم يشفع ، قلت لها :

ـ جبت ليك معاى الشعير يا حجوج ، وهسى ختيتو فى التلاجة اقول ليك نشربو سوا ، حاسة بانى محتاجة برضو شعير ، يا جميل

خالى حفيظ طلب فى حالة نادرة ان اصنع له شايا ، فتهلل الجميع انهم سيشربون شايا من يدى بعد غيبة طويلة ،

ـ قلت لها : امى شاى كيف ؟

فردت بفتور:

ـ ما دايرة

ـ قلت لها : بُره ابت اللبن

كانت تحب الشاى ايما حب ،لكنها ازمعت ان لا تشرب شايا ذلك اليوم اطلاقا ، نقلناها الى خارج الصالة ، فى الحوش حيث السرير الذى اعددناه لها ، جلست الى حافته ، واشارت ان نضع لها الكرسى لصلاة المغرب الذى كان قد حان فى تلك اللحظة ، حين كانت تتلو بعض الايات عقب الصلاة ، جئتها بعطر رششته على يدها وجسدها ، سالتها

ـ :كيف لطيفة الريحة مش  ؟

اومات علامة الايجاب ، فقلت لها :

ـ انه هدية من زول صديق اظنو قايلنى ( (معفنة ) كنت استدر ضحكها ، لكنها على غير العادة لم تضحك  توجهت لسريرها ممدة جسدها النحيل ، تالية الشهادة لثلاث مرات  واعقبتها بقولها (لا حول ولا قوة الا بالله ـ الله الله الله ) وصمتت عن الكلام المباح

لوهلة ظننتها ستنام ، لكنها كانت تومئ الى الم فى راسها دون ان تتحدث او تنبس ، سالتهاعفراءمن جانبها    ان تعد لها كركدى ، فاومات بالايجاب ، شربت منه جرعتين ثم ارجعتهما الى الارض ، اخرجت ما حوت معدتها من زبادى وكركدى وماء !

لم يكن حتى تلك اللحظة ليشك احد انها النهاية قط

تنادينا بالتلفون كل من موقعه ، جئنا طائعين الى حضرت الجلالة التى نعزها كثيرا ننهى لها كل عصى امر وندخل الى باحة قلبها طائعين فتفتح لنا ابوابه بدفئ لا يضاهى ، اجتمعنا وقررنا ان ننقلها المستشفى ، طلبنا ان يجئ الاسعاف ، فى تلك اللحظة لم استطع النظر الى ناحيتها ، لم اتبين ان تلك اللحظة ستكون الفاصلة بين  لقائى بها وبين دخولها الاسعاف وخروجها الابدى من البيت، ذلكم البيت الذى طالما سعت لاقتنائه وفعلت ما وسعها لذلك  حدثتنى كم انها رفضت اى عرض ببيعه ذلك انها كانت تحلم ان يلتم شمل اسرتها فيه حلمت ان نكون يد واحدة وقلب واحد وروح واحدة، فهنا اجتمعنا لاول مرة بعد عودتنا من الابيض

كانت تقول لنا (البنى ادم اهم شى انو يكون عندو بيت يا بيتى يا بتباتى ، يا ستار عيباتى ) كان هذا دعاؤها المفضل ، كثيرا ما قالت لنا فى ضحك  (بوصويكم على البيت الكبير ابنوه )وبنينا البيت تشايلنا ( طوبه ورمله ، واسمنتيه، ومونته) ) ليكون لنا دارا تعزنا كما كانت تقول ،تطلع من دارك ينقل مقدارك مثلها الاعلى

فى ذلك اليوم دخلت امى المستشفى وهى تكابد الغيبوبة ، لم تتكلم قط ، حتى رحيلها الفاجع ذاك

فى المستشفى

لم انم معها لسبب من الاسباب تعللت بها البنات من شقيقاتى لكنى لم اشأ اغضابهن ،فهن يعرفن وسائل التطبيب خير منى ، المهم ، اننى زرتها فى الصباح التالى ، لم اكن متفائلة لكنى لزمت الصمت  تماما  فلقد حدثنى صديق من الاطباء الذين اعرفهم ان تلك الحالة لن تتجاوز اليومين على اكثر الفروض ، خفت علىّ من الصدمة فحاولت ان اؤهل نفسى لتلقيها ، عدتها فى اليوم التالى ، لم تكن باحسن من السابق ، رغم محاولاتى الجادة فى الحديث اليها ، لكن بلا امل فى الاستجابة ،خرجت وكنت ادرك اننى لن التقيها مرة اخرى ، خرجت والحزن يسربلنى اجمعى ، اقترحت ان نذهب الى المسرح عسانى انسى وساوسى ،كانت صحبتى صديقتى الحنونة امنة امين ، لكنى فى المسرح انهارت روحى اجمعها ، عدت الى البيت، فى الحافلة بدات اكتب عنها  كتبت طويلا حتى كاد الباص يجتاز محطتى ،كنت ابدو منهكة وروحى فى الحلقوم ، لم اكن على استعداد لفعل شئ سوى الصمت  رغم التلفونات التى تلقيتها لكنى لم اكن مسرورة بها ، حاولت ان ابدو عادية لكنى لم استطع الى ذلك الكون سبيلا

كنت فى رحاب امى اتنقل من فيض الى آخر ، استدعى الماضى كله ان استطعت اليه سبيلا ،كان يجئ طائعا

 اتذكر الان بصفاء يوم ان كنت فى اول مراحل العيش هناك فى مدينةالابيض يومها لم اكن سوى صبية لم ادخل الشباب بعد لكنى كنت حريصة على دخول مرحلة جديدة  لم اكن مؤهلة لها قط ، كانت امى نفيسة (جدتى ) قد رحلت فى العام السابق ، تلك المرأة التى تربيت فى كنفها ،وكان حتام ان اعود الى اسرتى ، لا مفر ، فهذه اسرتى التى لا اعرفها وعلىّ ان افعل

 امى كانت فى تلك الفترة قد خرجت من احد الولادات لابن سيكون صديقى الابدى ، رغم الفارق الكبير بيننا فى السن لكنى احسه كائنا مغايرا ربما لان اسمه المغيرة ، وذلك الشاعر العربى الفذ بين اقرانه هو كذلك فذ ومغيرة ، جاءت تحمله وهو ابن العام بعد

دخلت اذن الى فضاء اسرى جديد لم اكن اعرف فيه احدا ، رغم ان الكل كان يعرفنى لكنى كنت ازعم اننى انتمى الى عالم آخر واسرة اخرى لها ملامح اخرى لكنى اندلقت الى ذلك العالم مرة واحدةبلا تحفظ كما هى عادتى ، دخلت ذلك الرحاب الاسرى لاجدنى ابنة لاسرة كبيرة فيها تحتم على ان انام مع الجميع دون خصوصية كما اعتدت دائما فى بيت جدتى فهناك لى دولاب خاص وغرفة خاصة ومقتنيات من ذهب وغيره لكنى هنا ، اظل قابعة فى غرفة محتشدة بالاطفال فى ليالى الشتاء والمطر ،استمع الى من ينتظر اما تلقمه ثديها وهى المجهدة المتعبة المريضة دون ان تبلغ احدا بذلك المرض !                  

                حين بدانا حياتنا فى مدينة الابيض كان على ان ادخل مدرسة جديدة ، واتعرف الى اصدقاء جدد لكننى كنت اتعرف فى نفس الان الى امى ، عرفتها عن قرب...

 تلك الايام شهدت شدا شديدا بيننا كنت فى اوج المراهقة ، ويبدو لى انها لم تكن تعرف كيف تدير تلك الحقبة فى تاريخ الفتيات ، لم اكن متمردة بقدرما كنت عنيدة ، لم اكن افهم معنى ان اتفاعل مع تلك الحياة الجديدة على ، فكنت دائمة البكاء على حياة عشتها وهى لم تكن تعرف اننى افتقد ذلك العالم الذى لا يشبه هذا الذى اعيشه الآن ، كنت اتغيب عن البيت متشاغلة بالمدرسة وكثيرا ،ادعى احيانا ان الدرس اخذ وقتا اطول ، او ما شابه ، اتوارى خلف الكتب ، لكنى لم اكن لاعرف ان الحياة ستمضى بى الى النهاية فى تلك الامكنة ، لم اكن اعرف انى ساتعرف الى امى بعد ذلك بتلك الشفافية

دخلت مرحلة جديدة بعد تلك المرحلة ، بدأت اتصادق وامى ، خاصة بعد ان تزوجت ، كانت تقول لى (الكتوف اتلاحقت ) لم نعد الام والبنت ، بل البنت الصديقة ، عادت صديقتى ، لم اعثر على غيرها صدقا وصراحة ، كنا حين نخرج معا يسالنى الناس :

ـ لاقيناك مع اختك

لم اكن استغرب الدهشة فهى لم يكن عليها اثر من آثار الزمن قط ، تمتلك  وجها طفولياووسامة غير عادية لامراة فى سنها...طويلة حتى انك تنحنى حين السلام عليها ، لها شلوخ عريضة ( عارض ) ووجه مريح حين تنظر اليها ، ابتسامة كما الاطفال ، ضحك كما الشهد ، وصوت كنت اقول لها عنه صوت مذيعة يا امى

  حين بدات صداقتنا كانت فى الار بعين وكنت فى اول العشرين من عمرى ، لعلها كانت تنظر الى بعين الاخت التى لم تنلها فى حياتها فهى الابنة  الوحيدة التى لم تكن مدللة بقدرمامحبوبة ، كانت لا (تنهر) او تتحدث اليك بفاسق القول ، ولعلى لم اسمعها تردد مقولة جارحة لاحد ، ليس لانها امى لكنها لم تفعل ، حتى فى احلك لحظات الغضب كانت تتماسك ولا ترد  بكلمة نابية ، لم ترد على احد فى مرة بكلمة غير لائقة ، وان تصادف وقالها احدنا فالويل له :

ـ دا كلام ما بتقال فى البيوت ، عارف لو عايز تقولو ...هناك فى الشارع ، ما اسمع كلمة زى دى فى البيت دا تانى مفهوم؟

هى امى سكينة التى ما توانت فى فعل ما هو مثمر لحياتنا بدءا من حرصها على شراء البيت الى تعميره الى التوصية بشان ان يظل مفتوحا مهما كان .

فى احيان كثيرة كانت ان اخطا احدنافى حقها تجئ اليه معتذرة ، لم يكن اعتذارا مباشرا لكنك تجدها تقول لك :

ـ انا الليلة زعلت فلان ( اى واحد من ابنائها ) ما قصدت لكين فلتت اعصابى بس ، تانى ما بعمل كدى لانو زعلو ما بقدر على

 

كنت اتساءل لماذا كل هذا الضجيج حولى وكنت متنعمة بحبوبة لا تضن على قط ؟ وظلت الاسئلة حارة لكن امى استطاعت الى تبريدها بمكيف الحب الذى لا يعرف الحرارة او البرودة فهو دافئ مثل قلبها ، وجدتنى اتكيف مع تلك العيشة التى لم تكن تروق لى الا بمساعدة جليلة من امى ، الهمتنى عدد من المعارف  وعلمتنى اكثر مما تعلمته فى المدارس ، لكننى بغتة اجدها تنسرب من بين يدى فى ذلكم اليوم من العام 2006،اليوم السابع والعشرين من يوليو لا استغرب ولا استبعد الموت لاى احد لكنى بموازاة امى لا استطيع الى فهم تلك الكلمات القليلة التى تعرف الموت لكنه يظل الحقيقة الوحيدة فى هذا العالم ، رغم انه الكائن الوحيد الذى ينهى لك اجمل الاحلام  لكنه حقيقة وحيدة منذ الازل والى الابد                   

 

 

             

 

الليل الذى لا يحمل صوت امى محمول على اجنحة الصمت هو ليل تعيس ، كانت امى تحب الليل لانها تدخل غار الروح وتنبش فى الحناياتفتش عن سبيل لنا فى الحياة ، تدعو وتدعو ان ( لا يخيب احدنا ) او يصيبه الفشل ، كانت تخشى ان يفشل احدنا لذلك لم تكن تهدا ايام الامتحانات ،تجدها تقف على راس كل ساعة تسال : هل استطيع ان احل لك مشكلة ، او تجدها تصنع الشاى ( عشان الواحد ما ينوم ) ذاكروا ، قرايتكم هى البتنفعكم ، ما فى زول دايم ليكم غير العلم ، لو ما اتعلمت ، ما كنت حاقدر اساعدكم ابدا ، الله يبارك فى خالى امين الدخلنى المدرسة

ابوى ما كان عارف انى بمشى المدرسة ، كنت بصحى الصباح بدرى ، بغسل ، واكوى ، بنضف مع امى ، ولو ما هى برضو ما كنت مشيت المدرسة ، كانت حريصة انى ادخل المدرسة ، مرات كانت بتضارى لى لو اتاخرت فى المدرسة ، لانو مرات بكون عندنا نشاطات او يكون فى ضيف جاى المدرسة ايام الانجليز طبعا بنعمل ليهو الحاجات زى الوجبات وكدى او المعارض بتاعة الخياطة والاعمال اليدوية  ، بنوريهو كيف المدرسة ماشة بدخلو معانا الحصص عشان يشوفو مدى حرصنا على الدراسة كنت بحب المدرسة ، وشاطرة ، يعنى لو كنت واصلت كنت حاكون واحدة من المعلمات البتعرفوهن ديل ، ناس ثريا امبابى ، وغيرها ،لمن دخلت الثانوى ، طبعا خالى امين كان مسافر فى مامورية فى جوبا اظنو ، عشان كده كان انى اتزوجت وما ندمانة انى اتزوجت ، لانى جبتكم ، احسن ناس خرجتكم ، والما اتخرج فى المدرسة اتخرج للحياة ، احسن عامل ، يعنى الدنيا الا الناس كلهن يبقو دكاترة ؟ نان كان بقو كلهن دكاترة البصلح الموتورات منو والبعدل المكسور منو ؟ الدنيا دايرة دا  ودايرة دا ، انتو تراكم الحمد لله وليداتى كلكن ان بقى الواحد حداد ، وان بقى دكتور كلكن واحد ، يا حليلكن ، بس للدنيا والزمان خلو البينكن عامرة))

هى تلكم المراة الصلدة التى سهرت ايما سهر على كل واحد فينا دون ان تكل او تمل ، ذاكرت منذ الابتدائى الى الثانوى ، فهى كما تقول ( نحنا زمان درسنا لغاية ريدر سكيس،والانجليز هن الدرسونا يعنى مسز فريتول ) وتمضى لتحكى لك عنها تلكم المراة التى كانوا يخترعون لها الاغنيات وهى ما تنى تجوب الفصل بحثا عن تلك المزعجة ، لكنها لا تجدهاقط...

الفصول الدراسية كانت اربعة فى المرحلة الابتدائية واربعة فى الوسطى واربعة فى الثانوى  تبدأ الدراسة فى السادسة صباحا ( معناه انى اصحى صلاة الصبح ومن الساعة ديك لغاية ما ارجع البيت بكون فى المدرسة ، زميلاتى فى المدرسة كانوا ما كتيرات يعنى فى الفصل كنا بالعدد لانو الناس كانت بتعتبر التعليم فى مدارس النصارى كعب ، عشان كده كنا حريصات اننا لازم نتعلم ، ولانو ناس فاطمة احمد ابراهيم كانوا قدوتنا ، كنا متحفزات لدخول المدرسة الثانوية ، او نشتغل مدرسات، المدرسات كانن محترمات  وعندهن وضعهن الاجتماعى  المميز بالنسبة  للمجتمع يعنى ،  غير كدى كانت كل واحدة مننا عاوزة تبقى حاجة لانو الوكت داك الشغل ياهو التدريس والتمريض ، ناس خديجة عمر وغيرها من الممرضات يعنى الناس كانو بحترموهن ، لكين دخلتونى اكبر مدرسة اتعلمت الما علمتنى يا هو المدارس ، الحمد لله انى امكم

لامى قصص بلا نهاية تبدأها منذ الصبا لتنتهى فى الابيض ، تجمع الحكايا فى قالب  لعله من السحرية الواقعية ، لانها لا تترك لك مجالا الا لسماعها .. الابيض كانت المحطة التى التقيت فيها امى لاول مرة بعد كل ذلك العمر وجدتنى ( لم اتعدالثانية عشرة حين رحلت جدتى لامى)

فى تلكم الفترة تقرران نسافر الى مدينة الابيض ، لم اكن اعرف احدا قط ، سوى اسرتى ـ امى واخوتى وابى ـ لم اكن امتلك الشجاعة للسفر مغادرة امدرمان الى بقعة اخرى ، لكن ذلك كان لابد ان يحدث ، الالفة بينى وبين امى لم تكن تلك الالفة الحميمة ، صحيح اننى اكبر البنات لكنى لم اكن بعد قد اعتدت مفارقة ما كنت اعيشه من وضع متفرد ، فلى خصوصيتى التى انسحبت ابسطتها حالما وصلت الابيض ، ولى قولى فى الاشياء ، لكنه انحسر بدخولى الى بيت السكة الحديد فى مدينة الابيض ، حين انزلت (السقاطة) لاول مرة عن الباب ودفعته داخلة تلك اللحظة اعلنت سقوطى فى فخ جديد اسمه الاسرة الكبيرة ، التى فيها الاب والام والاخوان والاخوات البعض فى المدارس والاخر فى رياض الاطفال ، وكان على فوق كل ذلك ان اغدو اما فى غياب امى ، ان افعل ما وسعنى كيما اسد( الخانات) التى  تتركها امى بسفرها الى عزاء او مناسبة لا تودنا حضورا فيها ،وما اكثرها فهى تربت فى امدرمان بين اهلهاهناك ، البعض منهم قريب جدا ، والاخر لم تكن معنية به، فهى لا تسافر الا للاقربين الذين ترى انهم اولى بالمعروف ،تسافر امى وتترك كل ما يخصها من ( زوجها ) الى اصغر اطفالها فى رعايتى ، وكنت ادخل فى تحد مع نفسى وكثيرا ، كيف لى ان ارعى كل تلك الاسرة وفى البال اننى فى الثالثة عشر من العمر ؟ لكنى غالبا ما كنت اجتاز تلك الامتحانات التى تدخلنى الى متنها امى...

بدات فى تلك الفترة من العمر معرفة ان اغدو اما قبل ان اصبح اما حقيقية،وان اتعلم الطبخ وماذا يعنى ان اسهر على راحة طفل فى البيت اصابه مرض ، اركن الى روحى متساءلة كيف لى ان اطببه ولم اكن بالعارفة اصول تطبيب الاطفال ، لكنى خبرت كل ذلك عبر امى

فى بعض الاوقات كانت تمربنا احلك الظروف ، لم يكن البيت يشكو قلة الفئران فحسب، بل كان اكثر بؤسا من ذلك ، لكنها لا تشكو ، بل تثابر فى بيع ما امكنها من (الهبابات ، والفوط) التى ترسل فى سبيلها اخوتى الصغار الى محطة السكة الحديد كيما يعود الواحد بما يعادل وجبة للفول نشتريها من  (نادى السكة الحديد ) المجاور بيتنا ، ونستلذ بها 

لم نكن نضج بالشكوى كما يفعل غيرنا وما كان احد ليعرف ان ذلك حدث فى بيتنا ، نبيع الدجاج كيما نشترى اللحم ، والخضار ، نزرع فى خلفية البيت كيما نتحصل على مصاريفنا سعيدين بالكفاية التى ننجزهالاننا وهبنا انفسنا لتلك الحقيقة التى ارادتها امى ان نكون ما نريد ، فهى لم تتدخل فى دراسة اى منا لم تحدد كما تفعل كثير من اخواتها او اخوتها ، تركت كل واحد منا يحدد مساره ، ولم تتخلف عن زرع قيمة العمل لدى كل منا مهما كانت مهنته..

 حين بدات العمل فى الاذاعة السودانية كانت تصحو كعادتها للصلاة فى الفجر ، تجدنى ما زلت يقظة امامى كتبى واوراقى تنادينى

ـ محمد عبدالرحيم انت لسه صاحى ؟

ومحمد عبد الرحيم هو زوج خالتها اسماء بنت حسنى بنت عبد الرحمن ، وهو المؤرخ المعروف ، كانت تحكى لنا كيف انه يحب القراءة والكتابة والتوثيق ، لذلك كانت تلقبنى بذلك اللقب ، ولا تنى تحدثنى عن ضرورة مراعاة الصحة فالانسان العليل لا يقدم لاهله او عمله اى شئ طالما انه غير مرتاح ، واقوم الى النوم فى تلك الساعة ...

فى ذات يوم كنت اجلس الى سريري ولم اغفل لحظة عن روايةكنت اقرأ فيها ( فرسان الرمال )للكاتب البرازيلى جورج امادو، كنت ابكى بصوت مسموع ، جاءت الى حيث كنت اجلس ،كانت خائفة ان يكون قد حدث لى مكروه، حين وجدت الكتاب فى يدى ، ضحكت منى وقالت لى:

ـ يا بتى الكتب ديل بجيبن ليك مرض ، ما قلنا ما تقرى لكين البكا لزومو شنو ؟

لكنى الحيت عليها ان تقرأها ففعلت ، حينها ضبطتها متلبسة ولم اقل شيئا سوى انى رردت عليها بقولها (القراية ما ابيناها لكين البكا لزومو شنو)

كنا اذا اردنا ان نتآمر على امى نجلب لها مجلة    (صباح ) او ( المغامرون الخمسة او مجلة ميكى) لحظتها كل ما نبتغى فهو مجاب لانها حين تطالع تلك المجلات والكتب فانها لا تعى سوى الضحك ، ونحن من جانبنا نفعل ما نشاء حتى اذا ما انتهت مهمتناوعادت الامور الى نصابها سالتنا عما حدث فنجيبها انها الفاعلة وانها هى التى اذنت لنا بفعل كل ذلك ، لكنها لا تغضب ، وتحكى لنا كيف انهم كانوا يفعلون نفس الامر بامهم، فقط الادوات هى المختلفة

(كنا لمن ندور حاجة من امى الله يرحما ويغفر ليها بنجى ليهاحقيقة العيال هم البسوو كدى ، يعنى خالكم حميد يا حليلو ، لمن يدور يمشى السينما بجيها يسالا : يمه القروش وين وهى بتكون عشان السكرى دايخة بين نايمة وصاحية توصف ليهو ويشيل ويمشى لمن يجى راجع نص الليل تسالو :

ـ وين كنت ؟ يقول ليها :

ـ كنت فى السينما ، تقول ليهو :

ـ الاداك منو ؟ يقول ليها

ـ انتى ، تستغرب ، فيقول ليها

ـ انتى وصفتى لى محل القروش ، تضحك ، لانها بتكون بين نايمة وصاحية )

تمتلك امى نواصى عديدة للباقة واللياقة ، فهى التى تصالح بين الازواج حين يختلفون ، وهى التى يعود لها صاحب كل وجعة فيخرج من لدنها فرحا كانما ولد من جديد

لم اشهد كل اولئك البشر فى حضرة تشييع فى الفترة الاخيرة بالمقدار الذى شهدته يوم ان تم تشييع امى  يا لها من امراة ، فنحن على سبيل المثال لم نجتمع كاخوة منذ امد طويل ، جاء جمعنا كاننا نعلم اننا نودعها ، جاء كل من احبت الى تشييعها ، من كل الانحاء فى العاصمة وما حولها ، كل الذين جاءوا لزيارتهاعادوا من المستشفى الى البيت لحضور وداعها  وداع ملوكى بالقدر الذى تكونه الملوكية وهى تستحقه لانها امراة هى الكمال ان كان للكمال حد فهى التى تصله ، لانها مؤهلة لذلك..

حين دخلت المعهد العالى للموسيقى والمسرح جاءتها احد بنات خالتها محتجة

(المعهد دا محل الصعاليك ، كيف تخلى بتك تقرا فيهو ؟ )

كان ردها باردا وحكيما

:ـ دى رغبتا وما اظن اقدر اغير حاجة هسى وبعدين الصعاليك ديل فى اى حته قاعدين كان فى المعهد وكان فى الجامعة ، البنية دى الحاجة البتحبها وما اتعودت احدد لواحد من اولادى نوع الدراسة دحين خلاص البقى بقى وما اظن يتغير )

بعد تخرجى فى المعهد واشتغالى فى الاذاعة جاءت نفس بنت خالتها وادلت باقوالهافى شان عملى فى الاذاعة لكنها ايضا كانت نفس تلك المراة :

ـ هسى يعنى بعد ما قرت كل السنين دى واتخرجت ، اها تشتغل وين ؟ ما ياها فى الاذاعة او التلفزيون ، يا اختى الزمن دا الاولاد ما زى زمنا انحنا،كل زول بعرف محل راحتو وراحتا فى الاذاعة، يعنى حناكل زمنا وزمن غيرنا ؟

هى هكذا امى لا تود ان تجعل من نفسها وصيا على احد على الرغم من ان ذلك حق من حقوقها ، لكنها لا تكثرث لذلك فهى فى قناعتها الراسخة المؤسسة على الحس الديمقراطى تتصور ان كل واحد ( حر )فى ان يقرأ ما يريد ويتخرج كيفما شاء ،فقط تعتقد ان مهمتها قد انتهت بالتخرج .

لم تكن تغضب الا فى القليل النادر ، وكنت اندهش لحظة ان يقول احد اخوتى ان امى مصابة بارتفاع الضغط ، ذلك انها نادرا ما تغضب ، ليس بسبب العجز او الضعف بقدرما بسبب السماحة التى تلبسها ثوبا ، الم تكن تلك المراة التى نضحك منها حين (تهيج ) وتفلت عيارات الغضب لدنها ؟

كنت فى احد المرات قد سافرت الى مدينة من مدن السودان فى رحلة مدرسية وكان ان عدت بما لدى تلك المدينة من ازياء لعلها مدينة بورتسودان ، اعجبتنى ( برنيطة ) كما اسمتها امى ، فى  ذلك الحين كان المغيرة هو المفضل لدى من دون الخلق فى بيتنا ، لذلك اهديته البرنيطة ، لكن احمد الصغير انذاك لم يكن يدرك ان تلك البرنيطة ليست سوى شئ خاص به ، فلم يتركها لصاحبها ، وتشاجرا ذلك الشجار الطفولى ، وجاء من يحمل الخبر الى امى عن تلك المعركة ، كانت حسبما اذكر ( تعوس )فى الراكوبة الواقعة فى اقصى بقعة من البيت ، لم تحتد ولم يشغلها مجرى الاحداث ، من مكانها ذلك تعالى صوتها ناهرا :

ـ يا ولد ادى اخوك البرنيطة يبرنط قلبك

ما نزال نضحك فى تلك العبارة الطفولية الصادرة عن امى

يا لامى ، فهى انسانة لم تكن سوى طفلة كبيرة والا لما استطاعت ان تفعل كل الذى فعلته لاجلنا

فى المدرسة الثانوية لم اكن فى حال يسمح لى ان اكون سوى ما كنته فلم تكن دراسة التدبير المنزلى احد همومى ، كنت كل ( حصة ) اجابه بالطرد من لدن الفصل ، اخرج راضية مرضية بل احيانا يعترينى الفرح ، حين كاشفت امى فى ذلك الصدد قالت لى (جيبى لى انا بخيط ليك )

كنت كلما اكملت صفا دراسيا تسالنى الزميلات

( اها امك جابت كم ؟)

لم تكن الامور تستهوينى على العكس من امى تماما، فلقد كانت احسن من يخيط لنا الفساتين فى المناسبات حتى اذا كبرنا بتنا نتعالى عليها ونرفض ما كانت تحيكه لنا ، مع ذلك كانت تفعل ليس رغما عنا لكن (بالمنطق ) :

ـ الزول كان ما عندو ما بعاين للفى ايد الناس  ودى قدرتنا ، كان ما دايرين خلاص على كيفكن، لكين الزول احسن يعمل البقدر عليهو ، والحياة ما ها هدوم ، العلم يا هو سماحة البنات ، باكر لمن تتخرجن البسن الدايراتنو ، على كيفكن، لكين هسى دا العندنا وما فى غيرو

ونذعن لها صاغرين لانها لم تتجاوز الحقيقة قط

تلك المراة التى ما توانت ان تبيع كل ما ملكت من مصوغات ذهبية لتكرمنا بها فى اكمال مصاريف البيت والمدرسة

فى الصباح ونحن ذهاب الى المدرسة كانت اول ما تفعله ان تضع لكل واحد من الاطفال افطاره الذى كان عبارة عن ( ساندوتش من العسل الذى تتوفر على صناعته فى البيت ، كانت تغلى السكر وتضيف له نقطتين من الليمون حتى يصير حامضا بعض الشئ وتلفه فى كيس من النايلون ، واحيانا تضع لنا ما تبقى من العشاء فى بستلة من الالمنيوم )  لم اكن تستهوينى فكرة الافطار ولعلى الى هذا اليوم لا اتعاطى افطارا ، ليس بسبب ان تلك الاطعمة لم تكن تروقنى ولكن بسبب اننى كنت ادخر 

(قروش الفطور لشراء الكتب نهاية الاسبوع )وتلك قصة اخرى

امى يا لامى كانت تخترع الاكلات بدون لحم ، كثيرا ما تغدينا باكلات تعرف وحدها كيف تصنعها ، وتشهدنا عليها حتى نتعلمها وتقول :

ـ الدنيا ما معروفة احسن تتعلمو تعملو من الفسيخ شربات

وهذا ما كانت تفعله

كانت تقطع البطاطس لانه ارخص خضار فى السوق ، او الباذنجان ، وتقليهما فى النار حتى يتحمر لونهما ، ثم تضيف اليهم قليل من الصلصة ولا يشترط ان تكون الصلصة المعلبة فهى كانت تصنعها وحدها من الطماطم فى المواسم وتدخرها لزمن ماكر ،ثم تضيف الى تلك الاطعمة البهارات وبعض الدقيق حتى تجعل لها قواما، وتقدمها لنا مع السلطة غداءا هنيا مريئا كما كانت تدعو لنا وتحمد الله على نعمته وتدعونا لنفس الفعل ...

تعلمنا منها ان نقنع بما لدينا ، رغم اننا تربينا فى تلك الاوضاع القاهرة لكننا لم نتطاول على احد ، بل ظللنا نردد مقولاتها عن القناعة والزهد

كثيرا ما كانت تحكى لنا عن جدى ذلكم الزاهد فى كل شئ فى الحياة وحين التقيناه علمنا اجمعنا من اين جاءت امى بكل تلك القناعة فى دواخلها حتى رحيلها كانت مثل ابيها قنوعة وراضية ، لم تكن تبحث عن شئ سوى ما يسترها وعيالها ، لم تتطلع الى علو ما كانت تستطيع الى بلوغه ولسان حالها

( مثل ما طار وقع )

ولم اعرف ذلك المثل ومعناه الا حين قالته امى مؤمنة ان الانسان ليس من حقه ان ينظر الى اعلى دون ان يكون مؤهلا لتلك النظرة وكانت تسخر من اولئك الذين يتبجحون بما لا يملكون وتقول مثلها الشهير (الما بتشوفو فى بيت ابوك بخلعك )

كنت احيانا احتد معها فى النقاش حول ان الانسان ينبغى ان ينظر الى اعلى مهما كانت العواقب عليه ان يسعى ، لكنها كانت ترفض الفكرة لان الانسان كما كانت ترى

( البنى آدم ولد البيئة لازم يتعايش مع واقعه ، لانه لو اختل توازنو ما بنعدل دحين الواحد يمد كراعو قدر لحافو واليوم اليتطاول يا هوالبقع )

كانت حميمة مع اخوتها لاتعاتب منهم احدا حتى ان كان يستحق العتاب وتبرر ذلك

 ( الناس بقت مشدوهة ما زى زمان ، يا حليل زمان زمن الدنيا بخيرا ، كنت متحانين ومتعاصرين ، هسى بقى كل زول فى روحو ، لكين والله اخوانى ما مقصرين معاى فى شى ، شالو معاى وربو معاى للكسوة دى ما قصروا فيها ما خلو شى فى الدنيا دى ، دحين الحمد لله فى المحنة وانشا الله تنعدل عليهم جيهة ما قبلوا ، يا حليل زمان الدنيا بى خيرا )

 وتبدأ تحكى لك عن مامون وعبد الحفيظ وفخرى ، ومحى الدين وحميد هكذا كانت تناديه وفتحى ، الذى كثيرا ما اوصتنا به خيرا فهو اصغر اخوتها وتعده ابنا لها ، فهو منذ ان سكنا بيتنا(فى امبدة ) هذا او ما بعد ذلك بقليل فهو يسكن معنا ، لا ترضى فيه

( عضة النملة )

كما كانت تقول ،

اذكر انى فى ذات مرة مؤخرا كنت قد احتديت وخالى ( الافندى ) فاذا بامى تهيج وتغضب ايما غضب

( ما عندو زول غيركن ، يعنى يمشى وين ؟ يا هو اخوكن ويا هو حبيبكن ، تانى اسمعك تتكلمى معاهو كدى والله ازعل منك )

ولم اشأ ان اغضبها منى ، منذ ذلك اليوم لم افعل ، ولعلى فى ذلك اليوم كنت امر بظروف نفسية سيئةجراء فقد احد الاصدقاء ، المهم ان الخال ما يزال يجهل تلك المشادة الحادة الاولى والاخيرة مع امى منذ عودتى التى لا اعرف سرها الى هذه اللحظة فبعد غياب امتد لخمسة عشر عاما وجدتنى منجذبة الى هذى البلاد ، عدت اليها ، لم اكن تلك التى خرجت قبل الآن ، عدت اكثر حميمية وامى ، لا استطيع ان اخرج دون ان اوقع على امر الخروج من البيت كنت انظر اليها وهى نائمة قيلولتها لحظة خروجى واحس اننى لن التقيها فى حال عودتى ، كنت احرص حين عودتى ان اكشف غطاء وجهها واتاملها وهى نائمة ، احيانا افعل واحيانا اسالمها من بعيد حتى لا ازعجهافى منامها

فى الصباح كنت اقدم لها جريدة الامس فى الغالب لانى اعود متاخرة وتكون هى اما نائمة او ان الاضاءة لا تعينها على القراءة ، كانت تطالع الصحف بنهم غريب ، وتحلل الاخبار ، لا يعجبها الحال المائل ، كانت تحرص ان تناقشنى فيما اكتب ، وتقول لى محذرة

( يا بتى خليك فى السليم )

 لكنها مع ذلك كانت معجبة ب(فياقة حريم )

مرددة مقولتها

(الكلام الصح ما بدوروه الناس ديل  خلى بالك من نفسك ياامى)

 لم تكن تدرك مدى حرصى على ان تقرأ عمودى كل  يوم سبت ، كنت فى احيان كثيرة حين امد لها بالجريدة تسالنى:

 ( اها الليلة مشاكلة منو ؟)

فى حين اننى لم اكن ( اشاكل احدا) ، سوى اننى اريد لكل شئ وعلى نحو مثالى ان يبدو ، كانت تقول لى :

ـ امريكا ما زى هنا ، هناك الناس بعرفو قيمة الانسان عليك الله يا بتى ارخص من البنى آدم هنا فى؟

لم تكن تخاف الحق ولا قول الحق تنادينى احيانا كثيرة وتوجهنى دون ان تدرك كم ستظل تلك الكلمات محفورة  تقول

( الزول يا بتى بعيش مرة واحدة فى الدنيا  دحين الصاح يا هو البمشى ، وما فى حاكم عادل للاسف جانا لغاية الليلة ، غايتو انشاء الله يجى ، لكين نحنا ما بنحضرو ، وكل الحضرناهن ديل ، دا اسجم من دا)

كانت تحدثنى عن اننى احتاج لاحد ان يقف معى

 ـ ماضرورى يكون زى ما انتى عايزاهو ، وزى ما متخيلاهو ، الرجال يا بتى ما بنقدرو ، وانتى الدنيا بتقول ليك باكر بتكبري وبتكونى دايرة زول يقيف معاك ، صحى عارفاك انك بتحبى حريتك ، لكين كمان الزول بدون رفيق ما سمح ،الدنيا بتقول كلام ونحنا بنقول كلام

ذات مرة خطبنى احد الاصدقاء وكنت اعلم رايها المسبق فى امر ( حريتى ) التى تقول عنها اننى احبها مثل الهواء الذى اتنفسه ،حين الح على قلت  له 

 ـ هاك دا تلفون امى اتصل عليها اذا وافقت ما عندى مانع ..

وكان ان اتصل بها ، وقالت له ما توقعت ، ومن جانبه اعلن انه لن يقبل بتلك ( الحرية ) وافترقنا ، لكننا ظللنا اصدقاء الى يومنا هذا .

هى امى التى تعرف كيف تدير الحوار الشهى فى السياسة , وتنحاز الى الجانب الاقوى دائما، كانت لا تود ان ترى اى احد مهزوما ، خاصة فى السياسة وتقف الى جانب حسن نصر الله وبن لادن ، كنت اقول لها

(تعرفى لو عرفو انك مناصرة لبن لادن سجمك يا حجوج)

وكلما شاهدت بوش او كونداليزا رايس ، كانت تسبهما سبا وتلعن الصهاينة ، فلقد كانت تفرق بين اليهودية والصهيونية على نحو دقيق

حين حكيت لها عن اليهود وكيف انهم يعانون الاضطهاد بين الامريكان ، لم تكن تصدق ما اقول ، لكننى كنت فى كل مرة اردد عليها كم انهم بشر طيب ومضطهد فى تلك البلاد وكم انهم يعانون الى الان من اوضاع سيئةلم تكن تصدق فى بادئ الامر ، لكنها عزت الامر الى انهم مساكين

(من هتلر لي بوش )

رغم انهم الان افضل حالا من ايام هتلر

كانت تحكى لنا عن الحرب العالمية الثانية وكيف ان تلك الحرب نالت منهم ( ابن خالتها الصبى ) وكيف ان عائشة الفلاتية كانت تغنى لتلك الحرب وان الاذاعة فى ذلك الحين كانت الوسيط الوحيد لتلقى المعلومات عن الحرب ، وانهم كانوا يقتنون راديو  (كبير بشتغل بالبطارية الكبيرة ، كان الناس ما عندهن راديو فى البيوت بختوه غالبا فى النادى او فى الميادين ، وكنا ممنوعين نمشى هناك ، لكين بكلمونا بالحاصل كلو ، بنعرف الاخبار من اهلنا ، خاصة المتعلمين ، وما كانوا كتيرين ، لكين زمان الزول ما ضرورى يكون قارى الجامعة الخلوة دى بتعلمو كل حاجة بس يفك الخط )

الاذاعة كانت فى البوسته ، الفنانين بجو يسجلو ، ناس حسن عطية واحمد المصطفى ، وناس عثمان الشفيع والكاشف ، البنات ما كانت فى غير عاشة الفلاتية وفاطمة الحاج امكن الله اعلم ما بقدر اقول ليك فى ولا مافى ، لكين كنا بنسمع ناس عاشة الفلاتية صوتا جميل خلاص ، والحفلات ما كانت زى حفلات هسي دى ، كانت البنات الكلام دا فى الخمسينات كنا شباب فى الوكت داك ،كنا بنلبس الكلوش ، والتياب  (الحمام طار،القمر بوبا) يعنى التوب بطلع مع الاغنية لمن ظهر عثمان حسين كان فى ( عشرة الايام ، وشجن ، والوكر المهجور ) يعنى كل اغنية باسم من اسماء التياب، والموضات كانت بتجينا من مصر ، لكين ما كنا شديدين عليها ، يعنى الناس العندهن قدرة هم البلبسو الموضة ، والاخوانهن بسافرو برة برضو كانوا ببارو الموضات ، لكين نحنا ناس مساكين  الحمد لله ما عندنا قدرة ومستورين

فى المدرسة ما كانت فى واحدة بتمشى الا (مبلمة)كنا بنخاف يلاقينا زول بنعرفو يمشى يكلم اهلنا اننا بنمشى المدرسة ، لانهن كانوا بفتكرو المدارس دى حقت النصارى ، والبمشى ببقى نصرانى ،عشان كدة البلامة كانت حاضرة ، لكين بعد الاستقلال بقينا نمشى عادى مافى واحدة بتتبلم ، بالعكس بقت البلامة عيب

البنات زمان ما كانت الواحدة بتتكلم مع خطيبا زي هسي ، الواحدة لمن يخطبوها كان ولد عمها او ولد الجيران ما عندها الحق تقول ( بغم )ترضى بيهو وتنستر معاهو ، ان بقى ( لبن عشر ) برضو ياهو قسمتا ، والبتطلق ديك ، وا شيلة حسها ، الناس ما بتريحا ، لكين هسى الزمن اتغير كتير ، البنات بقن متل الوليدات واحد

حتى رحيلها لم تسالنى قط عن اسباب انفصالى، لكنها  كانت موقنة اننى لا استطيع الى الحياة الزوجية سبيلا ،وانها مع ذلك تتمنى لى كل السعادة ان كانت مع احد او غير ذلك ، فى آخر ايامها معنا ، كان قد تقدم لخطبتى رجل لم اكن اعرفه الا عبر التلفون ، لكنها ضحكت من فكرته ، وقالت :

ـ الناس العديل بتشوفن عندها فيهن كلام ، هسي يعنى من التلفون داير يقنعك ؟الله يهون يا بتى اكان دايراهو اخدى ، لكين اتعلمتى على انك تطلعى وكتين ما دايرة وترجعى متين ما دايرة ، لا ضقلا يعتر ولا ابويا ينتر ، دحين بتقدرى على ( غلب الرجال ؟ ان بتقدرى اخير ليك )

لكنها كانت تضحك من فكرتى فى الحياة غالبا ما كان يضحكها اننى اسخر من كل شئ حتى نفسى ، لا آبه للغد فقط اقول لها ( احنا اولاد النهار دا ياامى )

امى سكينة تهبك الامان حين تهل داخلا بيتها وداعة تكسوها وملامح تشابه ام كل منا ، وقار يجئ ولا يراوح مكانه تحس انها شخص اليف الى روحك

عليك كل الرحمة ياامى

 

 

 

         

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home
.
.